أبوليوس

 

المرافعة

 

الفصول 87-103

 

حواش 

 

 

 

 

 

 

5

4

3

2

1

مقدّمة

 

 

87- الرّسالة المنحولة عليه. سلامة عقل بودنتلّة

   في الواقع لا أودّ الإيحاء بأنّ إمليانوس كان غبيّا إلى حدّ التّفكير أنّ رسالة الغلام المدّعي عليّ ستلحق بي ضررا. هناك أيضا تلك الرّسالة المنحولة عليّ- وما خطّتها يدي ولا ممّا يقبل التّصديق أنّي أنشأتها- وأرادوا بها إظهار أنّي كنت أستميل زوجتي بتملّقها. فلِم أتملّقها ما دمتُ أثق بقوّة سحري؟ ثمّ بأيّة وسيلة وصلتْ إليهم رسالة بُعثتْ إلى بودنتلّة بواسطة شخص مضمون الإخلاص حتما كما يحرص النّاس عادة على تأمينه في هذه الحال؟ ثمّ لِم كتبتُها بألفاظ بمثل تلك الرّداءة، ولغة بمثل تلك الرّكاكة، وهم يقولون إنّي لا أجهل اللّغة اليونانيّة على الإطلاق؟ ولِم أتزلّف إليها بمثل تلك الإطراءات الجوفاء والسّمجة وهم يقولون إنّي أتلهّى بأشعار الغزل لهو العارف المتمكّن؟ هذا أمر واضح لأيّ شخص: من لم يستطع قبلُ قراءةَ رسالة بودنتلّة المكتوبة باليونانيّة قرأ هذه، لكونها من وضعه، بيسر وقيّمها بمهارة.

    سأكون قد قلت عن موضوع الرّسائل القدر الكافي عندما أضيف هذه الملاحظة الوحيدة: هي أنّ بودنتلّة التي كتبتْ بلهجة السّخرية والهزء: "تعال الآن ما دمتُ أعقل"^، دعتْ إليها ولديها وكنّتها بعد هذه الرّسالة وعاشت معهم حوالي شهرين. فليقلْ هذا الابن البارّ أيّ أمر شاذّ رأى أمّه تفعل أو تقول بسبب جنونها طيلة تلك المدّة. ليُنكرْ أنّها كانت تشرف بكلّ اقتدار على أعمال المُكارين والرّعاة والسّوّاس. لينكرْ تحذيرها أخاه بنتيانوس بحزم من أحابيل روفينوس. لينكر تأنيبها الصّريح له على مداولته الرّسالة التي بعثتها إليه بين النّاس، وقراءته لها بدون حسن نيّة. لينكرْ بعد كلّ ما قلتُ أنّ أمّه تزوّجت منّي في بيتها بالرّيف لأنّه المكان المتّفق عليه مسبقا. الحقّ أنّا استطبنا الزّواج في ضيعة بالضّاحية هربا من توافد المواطنين الطّامعين في الإكراميّات فقبل مدّة غير طويلة وزّعتْ بودنتلّة من حرّ مالها خمسين ألف درهم على جمهور المهنّئين يوم تزوّج بنتيانوس وارتدى هذا الغلام ثوب الشّبّان. وكذلك تحاشيا للولائم والمزعجات التي يضطرّ العرسان لمواجهتها بعدما غدت عادة متّبعة أو تكاد.

 

88- تبرير زواجهما في بيتها الرّيفيّ

   لديك الآن يا إمليانوس السّبب الكامل لعقد قراني ببودنتلّة في ضيعة بالضّاحية بدلا من المدينة: كيلا نبذّر خمسين ألف درهم إضافيّة في الأكل معك أو عندك. أفتراه سببا وجيها؟ لكنّي أعجب من نفورك إلى هذا الحدّ من الضّيعة، أنت الموجود غالبا في الرّيف! ناهيك أنّ قانون يوليوس* عن ترتيبات الزّواج لا يحظر ذلك مطلقا ناهيا بهذا النّحو: "لا تتزوّج في ضيعة". بل إن شئتَ الحقّ، من جهة الإنجاب، الزّواج أكثر يمنا في الضّيعة منه في المدينة، على أرض معطاء منه على أرض عقيم، على عشب الحقل منه على صخر القصبة. حتما ستكون أمّا من تتزوّج في حضن أمّ ولود، بين زرع مونع وعلى تربة خصبة، وتنام عروسا في ظلّ الدّردار في حجر أمّنا الأرض، بين فسائل الأعشاب ورقائد الكروم وبذور الأشجار. هناك ينطبق تماما ذاك البيت الشّهير في إحدى الملاهي: "لتُزرع الأرض ولْتزْدن بنسل طيّب الأعراق"*. كان قدماء الرّومان أضراب كوِنتوس* وسرّانوس يتلقّون في الحقول لا الزّوجات فقط بل كذلك القنصليّات والدّكتاتوريّات* وكثيرا من المهامّ الشّبيهة. عليّ أن أمسك نفسي عن الإسهاب في هذا الموقع الثّريّ بالمعاني كيلا أفعل شيئا يسرّك بمدح الرّيف.

 

89- عمر بودنتلّة

   أمّا عن عمر بودنتلّة الذي بعد كلّ هذا كذبتَ بخصوصه بثقة في النّفس مدّعيا أنّها تزوّجتْ في السّتّين، فبعد قليل سأردّ عليك بشأنه في قليل من الكلمات، إذ لا أحتاج إلى كثير منها لمناقشتك في مسألة بمثل هذا الوضوح. صرّح أبوها بميلاد ابنة له على عادة بقيّة الأهالي، وسجلاّت ميلادها محفوظة جزءٌ في دار السّجلاّت العامّة وجزء بالبيت، وستُعرض أمام عينيك. أنت، مدّ لإمليانوس تلك الوثائق. ليتفحّص الخيط ( الذي يربطها)، وليتعرّفْ على الخواتيم المبصومة عليها، ليقرأ اسم القنصلين في ذلك التّاريخ وليعدّ السّنين التي كان ينسبها لزوجتي على أنّها ستّون. ليُثبتْ منها خمسا وخمسين يكن قد كذب بخمسيّة كاملة. هذا قليل. سأعامله بمزيد من السّخاء فقد جاد عليها بعدّة أعوام. لذا سأعيد له في المقابل عشر سنين، فقد تاه ميزنتيوس مع أوديسّيوس* : ليُظهرْ لزوجتي حتّى خمسين عاما. فيم الإطالة؟ كما في التّعامل مع ربّاع*، سأضاعف السّنين الخمس مرّتين: سأطرح دفعة واحدة عشرين سنة. مُرْ يا مكسيموس بعدّ القناصل تجدْ بودنتلّة، إن لم أخطئ، لا تجاوز الأربعين بكثير. فيا للخطإ الفاحش الجسور، ويا للكذبة القمينة بعشرين عاما من النّفي عقابا! أنت تكذب يا إمليانوس بنسبة النّصف، وتجرؤ على تقديم تقديرات تبلغ نسبة الواحد والنّصف. لو قلتَ ثلاثين سنة عوض عشر، لأمكن أن تبدو قد أخطأتَ بسبب غلطة في حركة أصابعك: قرنتَها بينما كان المفروض أن تدوّرها. أمّا الأربعون، التي تمثََّل بنحو أسهل من العقود الأخرى ببسط الكفّ، فلا يمكن إذ زدتَها بنسبة النّصف أن تكون أخطأت في حركة أصابعك، إلاّ إن كنتَ ربّما حسبتَ لبودنتلّة ثلاثين حولا فضاعفتَها بناء على عدد  القناصل*.

 

90- ما يُنسب له من جرائم لا يتماشى مع شخصيّته

   لكنّي أدع هذه المناقشات وآتي الآن إلى صلْب دعواهم، إلى سبب فعلتهم السّوءى. ليُجبْ إمليانوس وروفينوس: حتّى لو كنتُ ساحرا حقّا لأيّة فائدة كنت سأدفع بطلاسمي وعقاقيري بودنتلّة إلى الزّواج بي، إذ أعلم أنّ كثيرا من المتّهمين بجريمة ما طُلبوا للمحاكمة إذا ثبت أنّ لديهم باعثا ما ربّما أدّى إلى ارتكابها، ومع ذلك دافعوا عن أنفسهم بنحو ضاف واف: من منطلق أنّ حياتهم تتنافر مع نوع الجريمة ولا يجوز اتّهامهم لمجرّد توفّر بعض دوافعها لديهم كما يبدو. فعلا لا يجب اعتبار كلّ ما أمكن حصوله قد حصل فعلا، فصروف الدّهر تأتي بشتّى الأحداث، وَسيمَا أيّ شخص هي طبعه الذي يدفعه باستمرار إلى الفضيلة أو إلى الشّرّ. وهذا لعمري برهان متين يُعتمَد لتجويز أو استبعاد تهمة. مع أنّ بوسعي قول هذا وأنا على حقّ، أتنازل لكم عن ذلك. وما بكاف عندي تفنيد كلّ ما اتّهموني به بنحو مستفيض، إلاّ إن لم أترك مجالا لأدنى ظنّة بممارستي السّحر. تناقشوا فيما بينكم حول مدى ثقتي ببراءتي واحتقاري لكم. إن وجدتم أدنى مبرّر لرغبتي في الزّواج ببودنتلّة من أجل مصلحة أرجوها، إن أثبتّم أدنى غنم أكسبه، إذن لأكوننّ من لِفّ كرمنداس* أو دامِقرون* أو موسى* أو يانّس* أو أبولّوبكس* أو حتّى دردانوس* أو أيّ شخص سواهم أشيد بذكره بين السّحرة بعد زرادشت وأستانس.

 

91- بنود عقد الزّواج تنفي الدّافع النّفعيّ

   انظر أرجوك يا مكسيموس أيّة ضجّة أثاروا لأنّي استعرضتُ أسماء بضعة سحرة*. ما العمل مع أناس جهلة أجلاف مثلهم؟ أأعلّمهم مرّة أخرى أنّي قرأت هذه الأسماء وأخرى كثيرة في المكتبات العامّة عند كتّاب مشاهير؟ أم ألجّ في جدالهم بأنّ معرفة الأسماء شيء وشيء سواه المشاركة في الصّنعة نفسها، وألاّ يجب اعتبار معرفة المرء بعلم وتذكّره ما تعلّم في الكتب اعترافا بجريمة؟ أم- وهو أفضل- آنف يا مكسيموس، معوّلا على علمك وسعة ثقافتك، الرّدّ على مزاعم هؤلاء الحمقى الذين ليست لهم أيّة ثقافة. سأتصرّف بالأحرى بهذا النّحو: لن أعير بالا ما يفكّرون، وسأواصل إثبات ما بدأت أبيّن لك: أن لم يكن لديّ أيّ داع لأغري بودنتلّة بالزّواج منّي بأخذات سحريّة.

   هم استبعدوا من تلقاء أنفسهم جمال زوجتي وسنّها، ونسبوا لي خسّةَ طلبِها زوجةً بدافع الطّمع في مالها، ولذا بادرتُ منذ لقائنا الأوّل إلى ابتزاز مهر واف وافر. للرّدّ على هذه المزاعم، لا أرى أن أتعبك يا مكسيموس بخطبة طويلة. لا حاجة إلى الكلمات لمّا تتكلّم بلغة أبلغ بكثير قسيمةُ الزّواج حيث كلّ ما نصّ عليه العقد ينافي ما تخيّلوا عنّي بوحي من ضراوة جشعهم. إليك بالوقائع الحاضرة والشّروط المستقبليّة: أوّلا أنّ الصّداق المتواضع الذي مُهرت به هذه المرأة الموسرة لم يقدَّم نقدا بل احتُسب ديْناً فقط، ثمّ إنّ الزّواج عُقد على أساس هذا الشّرط: إن تتوفّ دون أن تخلّف عُقبا من صلبي، يبق كامل المهر عند ابنيها بنتيانوس وبودنس. لكن إن أتاها الأجل وقد خلّفت ابنا أو بنتا فإذّاك يؤول قسم من المهر إلى الولد المتأخّر، والباقي إلى السّابقيْن.

 

92- المهر زهيد بالنّظر إلى وضع بودنتلّة كأرملة موسرة

   سأبيّن هذا، كما قلت، من القسيمة ذاتها. قد لا يصدّق إمليانوس أنّ العقد نصّ على ثلاثمائة ألف درهم فقط، وعلى ردّها إلى ابنيْ بودنتلّة. خذ أنت نفسك تلك الوثيقة بيديك، وسلّمها لمحرّضك روفينوس. ليقرأْ وليخجلْ بنفسه الجشعة وكذبه الواشي بأطماعه. فبينما مَهَرَ، هو المعدم، ابنته بأربعمائة ألف درهم تسلّمها من مقرض، اكتفتْ بودنتلّة المرأة الثّريّة بثلاثمائة ألف وتزوّجت رجلا أعرض مرارا باحتقار عن مهور عديدة وطائلة، مكتفيا بذلك المهر الزّهيد، بل باسمه الخاوي، غير مول لغير زوجته أدنى اعتبار، واضعا كلّ هيل وهيلمان في المودّة والوئام بين الزّوجين.

   من له بكلّ هذه الأمور أدنى معرفة ويجرؤ على الطّعن في أن تزوّج نفسها أرملة متوسّطة الحسن غير متوسّطة السّنّ راغبة في الإحصان بمهر مؤجّل وشروط ميسّرة شابّا لا يعاب هيئةً ولا همّةً ولا ثروةً؟ فالبكر الحسناء، حتّى لو كانت في منتهى الفقر، تحتاج إلى مهر وافر، مع أنّها تحمل لا محالة لعِرسها براءة سجيّتها ومزيّة حسنها وزهرة شبابها. والبكارة في حدّ ذاتها ميزة قيّمة يثمّنها كلّ الأزواج كما هو مشروع وموافق للعرف. فما تتلقّ من شيء مهرا تستطعْ متى شئتَ، وكيلا تظلّ مرتهَنا لنفع أفدتَه، ردّه كاملا مثلما استلمته: تسدّد المال وتُرجع العبيد وتُخلي البيت وتنسحب من العقارات. البكارة وحدها يتعذّر ردّها إذا تسلّمتها، هي وحدها، من بين كلّ مقوّمات المهر، تبقى عند الزّوج. أمّا الثّيّب فكما تأتي إلى الزّواج تعود منه عند الانفصال. هي لا تحمل معها شيئا يتعذّر استرجاعه، بل تأتيك وقد فقدت بفعل غيرك بكارتها، ثمّ هي بلا شكّ غير طيّعة لك في ما تريد. وما سوء ظنّها ببيتها الجديد بأقلّ ممّا يفترض أن تثير هي نفسها من الرّيبة بسبب انفساخ زواجها السّابق، سواء فقدت بعلها بالموت- وهو ما يجعلها نحسة غير مرغوبة للزّواج- أو انصرفت من عنده بالطّلاق. والمرأة معيبة في كلتا حالتي طلاقها: سواء كانت شكسة يتعذّر احتمالها فطُلّقتْ أو نزقة ضيّقة الصّدر فطَلّقتْ.

   لهذه الاعتبارات وغيرها تحاول الثّيّب اجتذاب الخطّاب بمهر مزيد. وذاك ما كانت بودنتلّة ستفعل بدورها لو لم تعثر على فيلسوف يستخفّ بالمهر*.

 

93- مساعيه الحميدة بين الأمّ وابنيها تنفي أيّة مطامع

   لكن ويحكم، لو ابتغيتُ تلك المرأة بدافع الطّمع فأيّ شيء كان أجدى بي للاستيلاء على بيتها من زرع الشّقاق بين الأمّ وولديها، واجتثاث محبّة ابنيها من قلبها فأستفرد بامرأة مهجورة من ذويها بسهولة وإحكام. أليس هذا تصرّف شخصيّة اللّصّ التي اختلقتم؟ والحال أنّي تصرّفتُ كفاعل خير ووسيط صلح وسلام، وساع بالوفاق والوئام. فلم أمتنع عن زرع بذور شقاق جديدة فقط، بل كذلك استأصلتُ الضّغائن القديمة تماما. أشرتُ على زوجتي التي يزعمونني التهمتُ كلّ ثرواتها، أقول إذن: نصحتها وفي النّهاية أقنعتها أن تسلّم المال الذي ذكرتُ سابقا لابنيها المطالبيْن به بدون تأخير في شكل عقارات مقدّرة بأبخس ثمن وقدر ما كانوا يبتغون، وأن تعطيهما علاوة على ذلك من ثروتها الخاصّة أخصب الأراضي، وبيتا فخما مجهّزا بكلّ التّسهيلات وكمّيّة كبيرة من القمح والشّعير والنّبيذ وزيت الزّيتون ومحاصيل أخرى، وما لا يقلّ عن أربعمائة عبد، وبالإضافة إلى ذلك غنما لا قليلة ولا زهيدة القيمة، حتّى تطمئنهما بتلك البادرة الطّيّبة وتحيي لديهما الأمل في بقيّة الأملاك التي سيؤول إليهما ميراثها. بمشقّة حصلتُ على هذه الإجراءات من بودنتلّة وهي تمانع- لتسمحْ لي هنا بأن أقول الأمر كما كان*- وانتزعتُها متوسّلا إليها بإلحاح وهي كارهة وغاضبة. صالحتُ الأمّ مع ابنيها وبأولى أيادي زوج أمّهما هذه زدتُ ثروة ربيبيّ.

 

94- بنتيانوس يسارع بتصحيح خطئه. رسالة أوِيتوس

   هذا معروف للمدينة بأسرها. كلّ المواطنين أثنوا عليّ مبدين بغضهم لروفينوس. وكان بنتيانوس قد جاء لزيارتنا مع أخيه ذاك المختلف عنه تماما قبل أن تقدّم لهما تلك الهبة، فخرّ عند أقدامنا ليطلب الصّفح ونسيان كلّ حزازات الماضي باكيا ولاثما أيدينا ومعلنا أسفه على الاستماع لروفينوس وأمثاله. ثمّ رجاني متوسّلا أن أبرّئه كذلك لدى لُلْيانوس أَويتوس سامي المقام الذي كنت قد أرسلته إليه بتوصية قبل مدّة وجيزة لتعلّم الخطابة إذ اكتشف أنّي كتبتُ له قبل بضعة أيّام كلّ ما جرى بالتّفصيل وكما جرى. هذا أيضا حصل عليه. فأخذ رسالتي وسار إلى قرطاج حيث كان لُليانوس أَويتوس ينتظرك يا مكسيموس وقد أنهى تقريبا مهمّته كوال. فلمّا قرأ رسالتي هنّأ بنتيانوس على عظيم مروءته لأنّه سارع بتصويب خطئه. وردّ برسالة بعثها إليّ معه: أيّ علم ضُمّنتْ يا آلهتي الأخيار، وأيّ لطف، وأيّة طلاوة للكلمات وفتنة في آن واحد، تماما "كرجل فاضل عليم بالبلاغة"*. أعلم أنّك يا مكسيموس ستستمع إلى تلك الرّسالة بسرور. وإن سمحتَ بقراءتها فسأقرأها بصوتي. أنت، خذْ رسالة أويتوس لأستخدم ما كان لي دوما عنوان شرف وسيلة للدّفاع عن نفسي أيضا. أمّا أنت فلا بأس، بإمكانك أن تدع الماء يسيل. لأنّي أودّ قراءة رسالة ذلك الرّجل العظيم ثلاث وأربع مرّات، ومهما اقتضى ذلك من الوقت. (...)

 

95- مدح أويتوس

   لا أجهل أنّ الأصول تقتضي أن أختم مرافعتي بعد رسالة أَويتوس الذي لا إخالني أقدّم شاهد براءة أجدر بالثّقة ولا رقيبا لحياتي أصدق ولا محاميا أفصح منه. عرفتُ في حياتي كثيرا من الرّجال الفصحاء الحاملين اسم "رومانيٍّ" لكنّي لم أكنّ لأحد منهم نفس الإعجاب، ففي اعتقادي لا أحد اليوم يُشهد له بشيء من البلاغة أو ينشد حظّا منها لا يفضّل بشأو أن يكون أويتوس إن أراد مقارنة نفسه به نابذا حبّ الذّات والحسد. إذ تجمّعت لدى هذا الرّجل كلّ المحسّنات البلاغيّة بشتّى أنواعها تقريبا، وما من خطبة يؤلّفها أويتوس إلاّ وتكون استوفيتْ بحثا من جميع جوانبها حتّى ليتعذّر أن يستقلّ كاتون رزانتها أو لايلوس* رقّتها أو غراكوس* قوّتها أو قيصر* حماسها أو هرتنسيوس* تنضيدها أو كلْووس* فكاهتها أو سالُستيوس* اقتضابها أو شيشرون جزالتها. أقول باختصار، دون التّمادي في تعداد آيات بيانه: إن تسمع أويتوس لا تودّ أن تزيد أو تحذف أو تبدّل شيئا منها.

   أرى يا مكسيموس بكم من الحفاوة تصغي إلى ما تتعرّف من محاسن صديقك أويتوس. فقد شجّعتْني بشاشتك على قول بضع كلمات عنه. لكنّي لن أرخي للساني العنان مستعذبا لطفك إلى درجة السّماح لنفسي- وقد استُنفدتْ قواي تقريبا في هذه القضيّة المشرفة على نهايتها- بالشّروع الآن في الإشادة بفضائله الفريدة. فالأوْلى أن أكرّس لتقريضها قواي فور استعادتها ووقتي فور توفّر بعض الفراغ فيه.

 

96- رسائل بنتيانوس تشهد لصالحه

   أمّا الآن فعليّ، وإن على مضض، العودة من الحديث عن ذلك الرّجل العظيم إلى هذه الطّغمة من السّفلة. أتجرؤ إذن يا إمليانوس على مقارنة نفسك بأويتوس؟ أتتّهم بجريمة السّحر المنكرة من يدعوه هو "رجلا فاضلا"، ويثني على همّته بلا تحفّظ؟ أترى نفسك ملزما بالاحتجاج على اجتياحي بيت بودنتلّة واستنزافي أموالها أكثر من بنتيانوس الذي اعتذر لي عمّا طرأ وبنزغك بيننا من جفوة لبضعة أيّام وكذلك في غيابي لدى أويتوس، إذ أثنى عليّ عند ذلك الرّجل العظيم. تصوّرْ إذن ماذا لو قرأتُ ما تمّ ببيت أويتوس بدلا من رسالته. بماذا تستطيع أو يستطيع أيّ أحد اتّهامي بذلك الشّأن؟ إذ كان بنتيانوس يقول إنّ ما تلقّى من عطاء أمّه هديّة منّي أنا، ويسعد في قرارة نفسه بأنّه أوتي حظّا عظيما لكوني زوج أمّه.

   ألا ليته عاد سالما من قرطاج! أو ما دام قد حصل له ما قضى بشأنه القدر ليتك يا روفينوس لم تحُلْ دون انكشاف حكمه النّهائيّ فيّ! كم كان سيشكرني علنا أو في وصيّته! على أيّة حال أطلب يا مكسيموس أن تسمح بتلاوة قليل من الرّسائل التي بادر إلى بعثها إليّ من قرطاج أو وهو في طريقه إلينا، التي كتب وهو لا يزال بصحّة جيّدة والتي كتب بعد مرضه، المليئة كلّها شهامة والمفعمة حبّا، ليعرف أخوه المدّعي عليّ كم ينحو في كلّ مجالات الحياة مجرى دون أخيه طيّب الذّكر. (...)

 

97- خطّة روفينوس لبنتيانوس ثمّ بودنس

   أسمعتَ بأيّة تسميات يدعوني أخوك بنتيانوس مرارا في السّابق كما في آخر حياته: "أبتاه"، "سيّدي"، "معلّمي". يمكن أن أعرض رسالة مماثلة منك لو كنتُ أعدّها تستحقّ إضاعة ولو برهة وجيزة عليها. أودّ الآن بالأحرى أن تعرَض وصيّة أخيك الأخيرة- وإن لم يكملها- حيث يذكرني بامتنان وتقدير. لكنّ روفينوس لم يسمح بإعداد ولا إتمام تلك الوصيّة لغبنه من ضياع الإرث الذي حسبه أجرا للأشهر القليلة من مصاهرته لبنتيانوس على أساس سعر باهظ لليالي ابنته. كذلك سبق أن استشار حول مكسبه من تزويج ابنته بعض المنجّمين فأجابوه، على ما يقال- وليتهم ما صدقوا- أنّ زوجها الأوّل سيموت بعد بضعة أشهر، وبطبيعة الحال لفّقوا بقيّة ردودهم وفق رغبة سائلهم كعادتهم*. لكن وبمشيئة الآلهة عبثا فغر كوحش عمٍ شدقيه للغنيمة. إذ لم يعيّن بنتيانوس بنت روفينوس وريثة له بعدما اكتشف خسّتها، بل لم يمنحها حتّى هبة معقولة، وإنّما أمر، زرايةً بها، بأن تخصَّص لها أقمشةٌ بقيمة مائتي دينار* تقريبا، ليُفهم من ذلك أنّه قدّرها ذلك المقدار مستاءً، ولم يغفلها ساهياً. في هذه الوصيّة كما في السّابقة التي قُرئت عيّن وريثين له أمّه وأخاه الذي، كما ترى، يستخدم روفينوسُ معه، وهو لا يزال غلاما، نفسَ الحيلة: ابنتَه، عارضا بل باطحا أمام ذاك الغلام التّعيس امرأة تكبره بعدّة سنوات وزوجة أخيه إلى عهد قريب.

 

98- سرّ اهتمام إمليانوس وروفينوس بربيبه، ومسؤوليّتهما عن ضياعه

   لكنّه وقع أسيرا سليب الإرادة لملاطفات المومس التي فتنت بها البنت لبّه، وإغراءات القوّاد التي شبكه بها الأب، ومنذ أن لفظ أخوه أنفاسه غادر أمّه ونزح إلى بيت عمّه، ليسهل لهما بعد إزاحتنا إتمام ما بدأا من خطط. ذلك أنّ إمليانوس يوالي روفينوس ويتمنّى لخطّته التّوفيق. واهاً، حسناً فعلتما بتنبيهي! فقد دمج العمّ الفاضل مطامعه الخاصّة بها وساندها، لعلمه بأنّ له كوليّ قانونيّ لغلام بدون وصيّة حظوظا أوفر ممّا له كوريث معيّن بوصيّة طبق الأصول. ما كان بودّي وحقّ هرقل أن يأتي منّي فضح أعوارهم. فمخالف لتحفّظي تفجير ما يرتاب به الجميع في صمت أمام النّاس كافّة. أسأتما صنعا وعلى نفسكما جنيتما! كثيرون إن أردتَ الحقّ يا إمليانوس يعجبون من عنايتك المتفانية المفاجئة حقّا بهذا الغلام بعد موت أخيه بنتيانوس، بينما كنتَ سابقا تجهله إلى درجة أنّك كثيرا ما لم تتعرّف ابن أخيك من وجهه كلّما لاقيته في الطّريق. لكنّك الآن تسلس له قيادك بأناة وتفسده بتساهلك ولا تخالفه في شيء، حتّى أنّك تؤكّد بذلك رِيَب المرتابين. استلمتَه منّا غلاما غريرا فجعلتَ منه في الحال كهلا محنّكا، لمّا أخذتَه منّا كان لا يزال يتردّد على المعلّمين، والآن يفرّ منهم إلى الخمّارة فرارا ويزدري أصحابه الجادّين ويعيش على حداثته مع أراذل الشّبّان بين المومسات والأقداح في هذه الوليمة المتواصلة مدى الحياة. هو الآن عندك سيّد البيت وآمر الخدم وربّ الوليمة. وهو مواظب على ارتياد ألعاب المجالدين يعرف أسماءهم ومبارياتهم وجراحاتهم غيبا كغلام كريم، بل منه هو يتعلّمها مدرّبهم نفسه*. لا يتكلّم أبدا بغير البونيقيّة* ويبرطم بنتف من اليونانيّة أخذها عن والدته إذ لا شأن ولا قِبَل له بالتّكلّم باللاّتينيّة. سمعتَ يا مكسيموس قبل قليل- يا للعار- ربيبي، أخ بنتيانوس ذلك الشّابّ الفصيح، يتأتئ بمشقّة لمّا سألتَه إن كانت أمّهما قد أعطتهما فعلا ما ذكرتُ أنّها منحتهما بفضل جهودي.

 

99- خلافا لافتراءات خصومه هو الذي منع بودنتلّة من حرمان ابنها من ميراثها

   لذا أستشهدك يا كلوديوس مكسيموس، وأُشهدكم يا أعضاء المجلس، وأنتم أيضا أيّها الحاضرون معي في هذه المحكمة، على أنّ تبعة كلّ هذه الأسواء والقبائح تقع على عمّه هذا، وعلى ذاك الطّامع في مصاهرته، وأنّي سأعدّ مدعاة لسروري* خلع ربيبي طوق ولايتي من عنقه، ولن أترجّى من أجله أمّه بعد اليوم. ذلك أنّي- وهو ما كدت أنسى- لمّا كتبتْ بودنتلّة مؤخّرا وصيّتها- لتدهور صحّتها إثر موت ابنها بنتيانوس- جالدتها طويلا كيلا تحرمه من الميراث بسبب كلّ تلك الإساءات الجسيمة والأذايا العظيمة. فلقد ترجّيتها وحقّ الآلهة بأحرّ التّوسّلات أن تلغي بندا خطيرا أوصت به، بل بلغ إلحاحي حدّ تهديدها بالانفصال عنها إن لم أحصل منها على إسدائي هذا الجميل: أن تغلب بالإحسان إساءة ابنها. فلم أكفّ حتّى فعلتْ كما طلبتُ منها. يؤسفني أنّي أزلتُ عن إمليانوس هذا الهاجس، إذ كشفتُ له أمرا ما كان يخطر على باله. لاحظْ يا مكسيموس كيف طأطأ رأسه بعد سماع ما قلتُ، وكيف خفض صوب الأرض عينيه. إذ كان يعتقد- لا بدون مبرّر- أنّ الأمر أسوأ بكثير، لعلمه بمدى تأثّر زوجتي بإساءات ابنها، وتعلّقها بي لعناياتي المتفانية. بخصوصي أيضا كان هناك ما يخشاه: فلا أحد، حتّى إن كان يستخفّ مثلي بالميراث، يأبى الانتقام من ربيب شكس مسيء مثله. وقد حثّهم خصوصا على رفع دعواهم ضدّي هذا الهاجس النّاغز: تخيّلوا خطأً، لشحّ أنفسهم، أنّ زوجتي ستوصي لي بكلّ تركتها. أريحكم من تخوّفكم بالنّسبة للماضي، فما استطاع أن يزحزح نفسي عن موقفي الثّابت توفّر الفرصة للفوز بالإرث ولا للانتقام. جالدتُ أنا زوج الأمّ من أجل ربيبي السّيّء والدته المغضبة، كما يجالد الأب من أجل ابنه البارّ زوجته*. ولم يكفِ ذلك بل كبحتُ أكثر ممّا يقتضي الإنصاف كرم زوجتي العظيم تجاهي.

 

100- الكشف عن وصيّة بودنتلّة وإفحام المدّعي

   أنت، هات الوصيّة التي أعدّتها الأمّ لابنها المناوئ لها والتي أمليتُ، أنا صيّاد الثّروات الذي يزعمون، كلّ كلمة منها مع التّوسّلات. مُر يا مكسيموس أن يُفضّ الختم: ستجد ابنها هو وريثها، أمّا أنا فقد أوصتْ لي بهبة رمزيّة كنوع من التّشريف، حتّى لا يكون اسمي، بوصفي زوجها، غير مسجّل في وثائق زوجتي إن حدث ما كلٌّ به مرتهَن. خذها فهي وصيّة أمّك، وإن تكن لا شكّ غير عادلة. كيف لا وقد حرمتْ فيها زوجها السّبّاق إلى خدمتها لتعيّن وريثا لها ابنها الممعن في معاداتها، بل ولا حتّى ابنها في نهاية المطاف، وإنّما بالأحرى إمليانوس الطّامع في ثروتها، وروفينوس المخطّط لتزويج ابنته وتلك العصبة من السّكّيرين الذين يعيشون عالة عليك.

   أقول: خذها يا أبرّ البنين، وضعْ للحظة رسائل أمّك الغراميّة واقرأْ بالأحرى وصيّتها. إن كتبتْ شيئا وهي فاقدة رشدها فستجده فيها، ومنذ البداية حقّا: "أعيّن وريثا لي ابني سيكينوس بودنس". أُقرّ بأنّ من يقرأ هذا البند سيجده جنونيّا حقّا. أيرثكِ هذا الابن الذي في مأتم أخيه أراد إخراجك من البيت الذي وهبتِه أنت نفسك، مستعينا بثلّة من الشّبّان الأوباش؟ الذي ساءه وثقل عليه أن يعيّنك أخوه وريثة معه؟ الذي ترككِ مع حسرتك وأساك فارّا من حضنك إلى إمليانوس وروفينوس؟ الذي قال فيكِ علنا وارتكب في حقّكِ وبمظاهرة عمّه عديد الإساءات؟ الذي جرجر اسمكِ أمام المحاكم؟ الذي حاول القدح في عرضك أمام النّاس مستخدما رسالتك؟ الذي رفع دعوى جنائيّة خطيرة ضدّ من اخترتِ زوجاً وأحببتِ بكلّ وجدانك كما كان يعيب عليك هو نفسه؟ افتح، أقول لك، أيّها الابن البارّ، هيّا افتح الوصيّة فبذلك سيكون أسهل عليك إثبات جنون والدتك!

 

101- تفنيد تهمة شراء أرض باسمه من مال زوجته

   لِم تتمنّع، لِم تتأبّى بعدما تخلّصتَ من هاجسك بشأن تركة أمّك؟ ها أنا يا مكسيموس ألقي الوثائق هنا، في هذا المكان، أمام قدميك. وأُشهدك أنّي منذ هذه اللّحظة لن أشغل بالي بما تكتب بودنتلّة في وصيّتها. من الآن فصاعدا ليترجَّ أمّه بنفسه إن طاب له بخصوص أيّة وصيّة أخرى: فما ترك لي مجالا لأترجّاها من أجله بعد اليوم. منذ الآن ذره يقل لها هو نفسه كشخص بالغ راشد أشدّ العبارات* ويهدّئ غضبها. من قدر على الاتّهام سيقدر على التّرجّي*.

   ها أنا قد قدّمتُ ما فيه الكفاية وزيادة إذ لم أكتف بتفنيد الجرائم المنسوبة لي، بل استأصلتُ كذلك من الأساس جذر هذه المحاكمة، ألا وهو الحقد النّاشئ من النّزاع على الميراث. مع ذلك وحتّى لا أغفل أيّ جانب من القضيّة، سأدحض قبل أن أختم مرافعتي تلك التّهمة الأخرى الموجّهة لي: زعمتم أنّي اشتريتُ باسمي عقارا جيّدا بمبلغ طائل من مال زوجتي، وأقول إنّ بودنتلّة، لا أنا، اشترتْ باسمها قطعة أرض صغيرة بستّين ألف درهم، واسم بودنتلّة موثّق في العقد وباسم بودنتلّة دُفع المكس على هذا الحقل الصّغير. الجابي* الذي دُفع المكس له، كُروينيوس كيلر، وهو رجل كريم الشّمائل حاضر بيننا. وحاضر كذلك وليّ زوجتي، كسّيوس لُنقيوس، وهو رجل عظيم الوقار والاستقامة، أذكره بكلّ تبجيل. سلْ يا مكسيموس من كان مبرم الصّفقة، وبكم اشترتْ زوجتي الثّريّة حقلها الصّغير.

   ( شهادة كسّيوس لنقينوس وليّ الزّوجة وكُروينوس كليمنس جابي الضّرائب)

   هل الأمر كما قلتُ؟ هل اسمي مكتوب في أيّ موضع من وثيقة الشّراء؟ ثمّ هل ثمن الحقل في حدّ ذاته ممّا يثير الحسد؟ بل هل لي علاقة بذلك على الأقلّ؟

 

102- إفحام الخصوم

   أما زال هناك يا إمليانوس ما لم أفنّده حسب رأيك؟ أيّةَ قيمة وجدتَ لسحري؟ لماذا إذن أحاول استمالة فؤاد بودنتلّة بعقاقيري؟ أيّةَ فائدة أجني من ذلك؟ أأن تخصّصَ لي مهرا متواضعا عوض آخر معتبر؟ يا للسّحر العظيم! أم لتوصي بردّ ذلك المهر إلى ولديها بدل السّماح بتركه عندي؟ ماذا يمكن أن يضاف إلى هذا السّحر؟ أأن تعطي لولديها وبتحضيضي ثروتها الواسعة التي لم تكن قبل زواجي بها تجود منها عليهما، وألاّ تمنحني شيئا منها؟ لست أدري أأقول يا للطّلسم الفعّال أم يا للإحسان العقيم*! أم لتتركَ، في الوصيّة التي كتبتها في سورة الغضب على ابنها، وريثا لها ذلك الابن الذي أساء إليها بدلا منّي أنا الذي تحبّني؟ بجهد جهيد وبعديد الرّقى نلت هذه النّتيجة!

   بل تصوّروا حتّى أنّكم لا ترافعون أمام رجل مستقيم متمسّك بالعدل ككلوديوس مكسيموس، واستبدلوه بقاض منحرف وقاس منحاز إلى الدّعاوي ميّال إلى الإدانة. أعطوه خطّا يتبعه! امنحوه أدنى إمكانيّة- وأيّة شبهة يمكن تصديقها- ليحكم حسب أقوالكم! اختلقوا على الأقلّ قرينة ما، فكّروا بماذا تجيبون حين يسألكم: "ما دام لازما أن يسبق سبب ما أيّ فعل متعمّد، أجيبوني لماذا تقولون إنّ أبوليوس غوى بزخارف سحره بودنتلّة؟ ماذا كان يبتغي منها؟ لماذا فعل ذلك؟ أكان يرغب في جمالها؟ تنفون ذلك. أكان على الأقلّ يطمع في ثروتها؟ تنفي ذلك وثيقة المهر، تنفيه وثيقة الهبة، تنفيه وثيقة الوصيّة حيث يظهر أنّه لم يكن يطمع بجشع في كرم زوجته بل وكان يدفعه بحزم فوق ذلك. أيّ سبب آخر إذن؟" لِم تسكتون؟ لم تخرسون؟ أين مستهلّ عريضة دعواكم الشّنيع المقدّم باسم ربيبي: "سيّدي مكسيموس، قرّرت توجيه الاتّهام إلى هذا الشّخص"؟

 

103- الخاتمة

   لِم لا تضيف إذن: "إلى معلّمي، إلى زوج أمّي، إلى شفيعي المدافع عنّي عندها"؟ فماذا يأتي تُرى بعد ذلك؟ "بجرائم عديدة وبيّنة". هات إذن واحدة من تلك الجرائم العديدة، هات واحدة ظنّيّة أو غامضة تماما من تلك الجرائم البيّنة!

   هأنذا أردّ على كلّ واحدة من تهمهم بكلمتين لا أكثر فعُدّ: "تلمّع أسنانك!" - اغفر نظافتي. "تتأمّل المرآة!" – واجب الفيلسوف. "تنظم شعرا!" – عمل مباح. "تدرس الأسماك!" – يعلّمني أرسطوطاليس. "تقدّس خشبة!" – يوصيني أفلاطون. "تزوّجتَ امرأة!" – تفتضيني القوانين. "تكبرك سنّا!" – يحصل كثيرا. "تنشُد المال!" – خذ الصّداق، تذكّر الهبة، اقرأ الوصيّة. إن رددتُ كلّ تهمهم باستفاضة، إن دحضتُ كلّ الافتراءات، إن برّأت نفسي لا فقط من كلّ التّهم، بل وكذلك من كلّ ما يشاع عنّي نمّا واغتيابا، إن لم أُنقص أبدا شرف الفلسفة الذي هو عندي أفضل من سلامتي، بل صنته بحرص أينما كنتُ، ماسكا إيّاه بسبع ريشات كما يقال، إن كان ذلك كما أقول فبوسعي أن أنتظر مطمئنّا حكمك بإجلال وبلا وجل* من سلطتك فلأن يدينني والٍ أهون في اعتقادي وأقلّ رهبة من أن يستهجنني رجل بمثل فضلك واستقامتك. والسّلام.